عبد الملك الجويني

24

نهاية المطلب في دراية المذهب

في كتابه ، وفيه أنه قال : " لسُبع ونصف بقي من الليل في الشتاء ، ولسبع بقي في الصيف " . وعندي أن هذا ليس تحديداً ، وإِنّما هو تقريب ، والمعتبر فيه على التقريب أَنَّ وقت هذه الصلاة يوافي الناس وهم في غفلةٍ ، وللشرع اعتناء بالحث على أول الوقت ، فلو صادف التأذين أولَ الوقت ، فإِلى أن ينتبه النائم وينهض ويلبس ويستنجي ويتوضأ ، يفوته أول الوقت ، فقدم التأذين بقدر ما إِذا فُرض التهيؤ أمكن مصَادفة أول الصبح ، وهو يقرب من السبُع ونصف السبُع ، ولاشك أن ذلك ليس بحد على هذا الوجهِ الذي نفرعّ عليه ، وإِنما يشترط هذا القائل التقريب . ولا نعتد بالأذان إِذا فرض بُعدٌ مفرط عن الصبح ؛ لأنه دعاء إِلى صلاة الصبح ، فينبغي أن يكون قريباً منها . وذكر الشيخ أبو علي في شرح التلخيص وجهاً رابعاً بعيداً ، أنه يجوز الأذان للصبح في جميع الليل اعتباراً له بنية الصوم ، فكما يعم جوازُ نية الصوم للغد جميعَ الليل ، فكذلك القول في الأذان للصبح ، ولولا عُلُوُّ قدر الحاكي ، وأنه لا ينقل في الشرحين ( 1 ) إِلا ما صح وتنقح عنده ، لما كنت بالذي يستجيز نقل هذا . وكيف يحسن الدعاء لصلاة الصُّبح في وقت الدعاء إِلى صلاة المغرب ، وإِلى صلاة العشاء ، والسَّرَف في كُلّ شيء مُطَّرَح . ثم لو اكتفى المؤذّنُ للصُّبح بالتأذين قبل الصبح ، جاز . ولا شك أنه لا يعتد بالإِقامة إِلا بعد طلوع الفجر . والأولى أن يكونَ في المسجد مؤذنان : يؤذن أحدهما قبل الفجر ، ويؤذن الثاني بعد طلوع الفجر ، وهكذا كان في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإِن بلالاً كان يؤذن بليل ، وابن أم مكتوم كان يؤذن إِذا طلع الفجر ، ثم كان يقيم بلال عند قيام الصلاة . قال شيخنا أبو بكر : إِن لم يكن في المسجد مؤذنان ، فينبغي أن يؤذن المؤذن مرتين ، مرة قبل الفجر ، ومرة بعده ، وإِن أراد الاقتصار على مرة واحدة ، فالأولى أن يؤذن بعد الصبح . هذا ما قطع به في طريق الأوْلى ، وهو مقطوع به لاشك فيه .

--> ( 1 ) المراد شرح تلخيص ابن القاص ، وشرح فروع ابن الحداد .